د. علي فخرو منتديا في “العصرية”: ضرورة وجود مراجعات فكرية عربية شاملة وضرورة التجديد الحضاري

 In متميز

وصف الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرحمن الدكتور علي فخرو بـ “الصديق القديم/ الجديد” الممتدة صداقته من أيام الزمن الجميل في المكان الجميل في الجامعة الأميركية في بيروت، والذي كان قد انغمس باكرا في العمل الوطني العروبي القومي التقدمي وانتخب في مجلس الطلبة، حين كانت الحياة تموج بمختلف أفكار وأحزاب الوطن العربي والذي لم يتوانى عن اصراره على أن يكون جزءا فاعلا من نسيج المجتمع المدني العربي. وفي وصف د. علي فخرو، أضاف د. أسعد: هو “الوزير العصري المنتج” و”طبيب القلب” المتميز والناجح الذي عادة ما يأتي تشخيصه وتحليله لواقعنا الراهن سليما ودقيقا إلى أبعد الحدود. وختم د. أسعد تقديمه بالقول: هذا الضيف -رغم تجاوزه الثمانين من عمره- يعتبر اكثرنا شباباً! لإن الثبات على المبدأ، وتأكيد المؤكد في الهوية، واعتبار النضال سجلاً مفتوحاً لتاريخ جديد؛ يمنع الشيخوخة ويبقي الروح متأججة، ويزيد المؤمن بعقيدته اصراراً على تحدي الاستحالة بالإرادة والاعتماد على نبض الامة التي شهدت نكسات عديدة ولكنها كانت تنهض بعد كل نكسة أعظم ايماناً بأرضها وتاريخها وحقها في صنع غدها الافضل.

جاء ذلك مع بدء المحاضرة التي نظمتها “مؤسسة فلسطين الدولية” و”المدارس العصرية” في منتدى الأخيرة مساء الأربعاء، وأضاء فيها د. فخرو على واقع الأمة العربية الراهن، وسط حضور نوعي كبير وتفاعل واسع مع مثقفين.

بدأ د. فخرو حديثه بكلماته التي تفيض وجعاً وشيئاً من الخيبة والخوف من أن تسقط الدعوة مع الداعية! بالخلاصات الموجعة: “…لا يحتاج الوضع العربى المأساوى الحالى إلى مزيد من التشخيص والأهداف الحضارية المستقبلية، بل يحتاج إلى تبنى الأمة كلها لنماذج ناجحة فاعلة فى بعض من أجزاء وطنها… إن الوطن العربى يواجه الآن مؤامرة كبرى من قبل بعض الدول، وفى مقدمتها نظام الحكم الأمريكى الحالى، ومن قبل هجمة صهيونية يمينية متطرفة مترامية، معقدة ومستميتة. يقابل تلك الأخطار صراعات وتمزقات فى الجسد العربى، لم يسبق لها مثيل فى تاريخ العرب كلُه، الأمر الذى أنهك وأضعف المجتمعات العربية وأوصل العمل القومى المشترك إلى الحضيض فى مقدار فاعليته للوقوف فى وجه تلك الأخطار. انه عصر التراجعات والردات عن كل ثوابتنا القومية … لقد تخلينا عن دعوة الوحدة وانصرفنا إلى تجزئة المجزأ، وتراجعنا في دورنا الإقليمي. حتى المجالس ما دون الوحدة تراجعت (الاتحاد المغاربي، مثلا).. و”مجلس التعاون الخليجي” مهدد بالانقسام على نفسه. وقد سقطت محاولة بناء الاقتصاد الاشتراكي وحلت الخصخصة محل الدعوة إلى دولة الرعاية الاجتماعية. لقد خسرنا حتى المؤسسات الرمزية التي كانت تقول بوحدة الأمة: جامعة الدول العربية.. وهي على وهنها كان يمكنها أن تقول “لا” للخطايا. وهكذا فقد فقدت حتى دورها الرمزي…”. وأكمل الدكتور فخرو -الذي كان (وما زال) داعية للعروبة واحترام كرامة الانسان- بنفس النبرة: “…لقد انتقلنا من الخلافات السياسية؛ كيانية او قومية، إلى تحريك الخلاف بين الاديان، بل بين المذاهب الاسلامية ذاتها.. وسقط الالتزام القومي تجاه القضية الفلسطينية ووئدت ثورة الربيع العربي، محذراَ: أن “الجهاد الاسلامي” قد تحول إلى مأساة وادخل هذه الامة في محنة، لقد ضلل وتسبب في انحراف عشرات بل مئات الالوف من الشباب العربي، لقد أدخلهم في نوبة من الجنون الاجرامي….”. وطغى الالم على صوت الدكتور فخرو وهو يقول: “…أن ابتعاد الأقطار العربية الغنية بثرواتها، عن سائر جهات الوطن العربي، قد أسقط بشكل مذهل امكانات التنمية في مختلف اقطار الامة. إذ كان يمكن لهذه الثروات الخرافية أن تكون اهم الرافعات للنهوض العربي. كان يكفي أن تستثمر هذه الثروات في الوطن العربي. ونبه الدكتور فخرو: أن هوية الخليج مهددة، وأن الخليج مهدد في مستقبله؛ فالتعليم يخصص فيتراجع، والامية تسود، وهناك خطر حقيقي على مجلس التعاون الخليجي…”. وعلل د. فخرو – ذو التاريخ النضالي الحافل بالتضحيات والسعي في ركب أهل التنوير لبث الوعي واللجوء الى وجدان الامة- الوضع العربي المأساوي قائلا: “…أن الاسباب الداخلية مرتبطة مع الاسباب الخارجية فالاستبداد والجهل والكيانية كل ذلك يتكامل مع التآمر الاميركي ـ الاسرائيلي وبعض الدول الأوروبية…”.

 غير أن د. فخرو عبر عن تفاؤله التاريخي بالمستقبل وذلك في ضوء مسيرة التاريخ وتجارب الأمم: “…لا بد من حركة مدنية واسعة ذات منهاج معروف ومحدد مؤلفة من بعض الأحزاب وبعض النقابات وبعض الجمعيات المهنية وبعض الأفراد الملتزمين -ممن وصفهم فى السابق بعمق وثورية المناضل الإيطالى غرامشى-؛ يستجيبوا للتحديات التاريخية الحالية الهائلة التى تواجهها الأمة، ويخلقوا نواة قيادة توافقية، متعاضدة متناغمة، محكومة بالأسس والمنهجية الديمقراطية فى تركيبتها وعملها وقراراتها، قادرة على كسب ثقة الملايين من شباب وشابات الأمة العربية، تناضل بسلمية لإحداث نجاحات تراكمية فى الواقع العربى من جهة ولإيقاف تمدد الاستباحة الاستعمارية والصهيونية من جهة ثانية، وقادرة مع الوقت وباستمرار على اجتذاب قوى جديدة وأفراد جدد للانضمام إلى تلك النواة لتصبح فى النهاية كتلة تاريخية نضالية تحارب بألف طريق وطريقة من أجل إخراج هذه الأمة من الجحيم الذى تعيشه إلى نهضة عربية حديثة تستحقها؟. لا بد من مقاومة الصهيونية ومشروعها الاسرائيلي بمقاطعة المطبعين، ومقاومة الشركات المتعاملة مع اسرائيل.. كذلك لا بد من مراجعة الفقه الاسلامي وعلوم الاحاديث النبوية.. ولا بد من مدرسة فقهية جديدة..”، مشددا على ضرورة التعامل مع العرب ككتلة تاريخية واحدة، وضرورة وجود مراجعات فكرية شاملة وضرورة التجديد الحضاري ولو بعد حين.

هذا، وشهدت الأمسية –التي ناهزت الساعة والنصف – حضورا لافتا ومشاركة واسعة من الجمهور الذي ظل صامتا، مأخوذا بخطورة الكلام لفترة، قبل أن تنفجر القاعة بالتصفيق وينهال وابل الاسئلة والاجابات الشافية عليها، وانتهى اللقاء بتقديم د.اسعد عبد الرحمن درع تكريمي للمحاضر باسم”المدارس العصرية” و”مؤسسة فلسطين الدولية”.

Recent Posts

Leave a Comment